الفرق بين قوله تعالى: (وما أهل به لغير الله) وقوله:(وما أهل لغير الله به)؟

السؤال 664103

لماذا قال الله تعالى في سورة البقرة (وما أُهِلَّ به لغير الله) في حين قال في سورة المائدة (وما أُهِلَّ لغير الله به)؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

من لطائف النظم القرآني أن يكون الحكم، أو المعنى العام: واحدًا، ولكن ترتيب الألفاظ يختلف بحسب السياق والمقام؛ فالقرآن لا يقدّم كلمة ويؤخّر أخرى اعتباطًا، وإنما يأتي التعبير بما يناسب المعنى الذي يبرز في كل سياق.

ومن أمثلة ذلك: ما جاء سورة البقرة جاء: وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، بينما جاء في المائدة والأنعام والنحل:  وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ.

وسنرى أن البقرة يغلب عليها سياق الرزق والطعام، بينما يغلب على المواضع الأخرى سياق صرف العبادة لغير الله، والتشريع والتحليل والتحريم والافتراء على الله.

أولًا: سورة البقرة — مقام الرزق والطعام. قال الله تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ [البقرة/ 173].

وقبلها قال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا [البقرة/ 168].

وقال أيضًا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة/ 172].

فالسياق في سورة البقرة سياق الرزق والطيبات والطعام، وما يحل للإنسان أن يأكله وما يحرم عليه.

ولذلك جاء التعبير: وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فتقدّم به، أي ما أُهِلَّ بهذه الذبيحة، وجاء الكلام منسجمًا مع سياق الطعام والرزق والذبائح.

ثانيًا: المائدة والأنعام والنحل — مقام الإهلال لغير الله والتشريع.

أما في سورة المائدة والأنعام والنحل: فقد جاء التعبير على صورة واحدة: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ.

قال تعالى في المائدة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة/ 3].

وقال سبحانه في الأنعام: قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام/ 145].

وقال تعالى في النحل: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [النحل/ 115].

وهذه المواضع الثلاثة يجمعها معنى مهم، وهو إبراز الجهة التي صُرف إليها الإهلال: لِغَيْرِ اللَّهِ.

ويتضح ذلك بصورة خاصة في سورة الأنعام، حيث لا يقتصر السياق على بيان الأطعمة، بل يتحدث عن المشركين الذين جعلوا لأنفسهم حقًا في التحليل والتحريم، وافتروا على الله في ذلك.

قال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا [الأنعام/136].

وقال سبحانه: وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ [الأنعام/138].

وفي النحل يأتي السياق أيضًا في مسألة الحلال والحرام ومن يملك حق التشريع، قال تعالى بعد آية التحريم: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل/116].

فالسياق في هذه المواضع يبرز أن الإهلال لم يكن لله، وإنما صُرف إلى غير الله، كما أن المشركين جعلوا لأنفسهم ولشركائهم أحكامًا في الحلال والحرام.

وهنا تأتي اللطيفة التي أشار إليها الغرناطي (المتوفى: 733هـ) في كشف المعاني في المتشابه من المثاني (ص: 110):

"أن آية البقرة وردت في سياق المأكول وحِله وحرمته، فكان تقديم ضميره، وتعلق الفعل به أهم. وآية المائدة وردت بعد تعظيم شعائر الله وأوامره، والأمر بتقواه، وكذلك آية النحل بعد قوله: تعالى (واشكروا نعمة الله) فكان تقديم اسمه أهم.

وأيضا: فآية النحل والأنعام نزلتا بمكة، فكان تقديم ذكر الله بترك ذكر الأصنام على ذبائحهم أهم، لما يجب من توحيده، وإفراده بالتسمية على الذبائح.

وآية البقرة نزلت بالمدينة على المؤمنين لبيان ما يحل وما يحرم، فقدم الأهم فيه، والله أعلم" انتهى.

ينظر: إجابة رقم: (1024).

والله أعلم.

المراجع

تفسير القرآن

المصدر: 

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android