لم يكن غضب النبي صلى الله عليه وسلم إقرارًا لأبي بكر رضي الله عنه على ما بدر منه في حق عمر، بل دعا له بالمغفرة بعد أن ندم وطلب العفو، وإنما غضب تنبيهًا إلى فضل أبي بكر وسابقته في الإسلام، ووجوب معرفة قدره وتوقيره. والعفو عن المخطئ مستحب وليس واجبًا في الأصل، لكنه كان في هذه الواقعة آكد؛ لمكانة أبي بكر وعظيم فضله.
لماذا قال النبي ﷺ: «فهل أنتم تاركو لي صاحبي» مع أن أبا بكر كان المخطئ؟
السؤال 661935
اطلعت على حديث خصومة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وإن أبا بكر بدأ الخصومة، وأخطأ في حق عمر، فغضب عمر، وأعرض عنه، فجلس أبو بكر يطلب منه العفو والمغفرة، لكن عمر أبى، حتى ذُكر انه اغلق باب داره عنه، فلما علم الرسول ﷺ بذلك غضب لأجل أبي بكر، ودعا له بالمغفرة، وغضب لما رأى عمر، وقرأت أيضًا انه كان يُعرض عنه، حتى أخبره أبو بكر أنه هو المُخطئ؛ خشية أن يصيب عمر شيء من غضب رسول الله، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر فضائل أبي بكر، ثم نهاهم عن أذيته.
قرأت في شروح الحديث، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير إلى أن فضائل أبي بكر كثيرة في الإسلام، وله مكانته، فلا تنبغي أذيته.
الإشكال:
لم اجد من يشرح لماذا دافع النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر مع أنه المُخطيء، وباعترافه أيضًا؟
هذا يوحي -وحاشاه- أن يقف مع الظالم بدلا من المظلوم؛ لأن له مكانة وقدر ومحبة؟ ويُجبَر الناس على الصفح؛ لأن المخطئ ذو مكانة في المجتمع، وذو أياد بيضاء؟ وهل يعني ذلك أن عمر قد يأثم لو لم يسامح؟ مع أن المظلوم له الحق في ذلك في أصل الإسلام؟
كيف يفسر ذلك بالتفصيل؟ لأني لم أجد من يطيل في شرح ذلك، مع ذكر المراجع.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
هذا الحديث رواه الإمام البخاري (3661)، (4640): عن بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عن عائذِ اللَّهِ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِي الدَّرْداءِ رضي الله عنه قالَ: (كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ، حَتَّى أَبْدَى عن رُكْبَتِهِ، فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا صاحِبُكُمْ فَقَدْ غامَرَ. فَسَلَّمَ وَقالَ: إِنِّي كانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ، فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ. فَقالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يا أَبا بَكْرٍ. ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ: أَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ؟ فقالوا: لَا. فَأَتَى إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَتَمَعَّرُ، حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَثا على رُكْبَتَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ أَنا كُنْتُ أَظْلَمَ. مَرَّتَيْنِ، فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ. وَقال أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ. وَواسانِي بِنَفْسِهِ وَمالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تارِكُو لِي صاحِبِي؟! مَرَّتَيْنِ، فَما أُوذِيَ بَعْدَها).
وقد بيّن أهل العلم في شرح هذا الحديث أن أبا بكر رضي الله عنه لم يكن معصومًا من الخطأ، وأنه بادر إلى الندم وطلب المسامحة، كما بيّنوا أن غضب النبي صلى الله عليه وسلم كان تنبيهًا إلى عظيم منزلة أبي بكر وسابقته في الإسلام، وأنه لا ينبغي الاستمرار في مغاضبته وإيذائه. وليس في ذلك إقرار له على ما بدر منه من خطأ، ولا إسقاط لحق عمر رضي الله عنه.
فالحديث ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أبا بكر على ما بدر منه، بل دعا له بالمغفرة: (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يا أَبا بَكْرٍ).
ولم يلمه لأن أبا بكر رضي الله عنه كان قد ندم من ساعته على ما بدر منه، وحاول استرضاء عمر رضي الله عنه، كما تبيّنه الرواية الثانية عند البخاري: (فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا، فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ)، ثم أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم باحثا عن المخرج، كما يبينه قوله رضي الله عنه: (كانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ، فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ).
ولكن لام النبي صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه؛ ليبين له ولسائر الصحابة رضوان الله عليهم أنّ لأبي بكر رضي الله عنه فضلا وسابقةً في الدين، ينبغي معرفتها له، وتوقيره، وإنزاله منزلته، حتى أخذ أهل العلم من هذا الحديث ان الفاضل لا ينبغي أن يغاضب.
قال ابن الملقّن رحمه الله تعالى:
"وفيه: أن الرجل لا يقاوِم من هو أفضل منه " انتهى. "التوضيح" (20 / 261).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"وفي الحديث من الفوائد: فضل أبي بكر على جميع الصحابة، وأن الفاضل لا ينبغي له أن يغاضِب من هو أفضل منه" انتهى. "فتح الباري" (7 / 26).
ثانيا:
العفو من مكارم الأخلاق التي ندب الشرع إليها، ومع ذلك، فهو غير واجب، ولا يلزم صاحب الحق أن ينزل لصاحبه عن حقه، ويعفو عنه فيه. وراجع للفائدة جواب السؤال رقم (175439)، ورقم (171751).
لكن جانب العفو في هذه النازلة كان متأكدا، فوق ما ندب الشرع إليه من العفو العام.
فإن أبا بكر هو من هو سابقةً، ومنزلة من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الإسلام أيضا.
ثم لم يكن بين أبي بكر وعمر مال يتشاحان عليه، ولا مظلمة تقتضي قضاء، وأداء حق، ونحو ذلك، وحاشاهما أن يختصما في ذلك ونحوه؛ وإنما كانت مقاولة بينهما، وأمرا فيه كلام أغضب عمر من أبي بكر. وهذه غايتها. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لعمر: أنت المخطئ، ولم يقض لأبي بكر عليه في شيء؛ غاية ما هنالك أنه أكد عليهم حقه، ونبههم عليه، وكره إغضاب أبي بكر، وإن كان ذلك من عمر، رضي الله عنهما وأرضاهما. ولهذا قال أبو الدرداء في آخر روايته: (فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟