الهدية التي يعرضها البائع لمن اشترى منه، تكيّف على أنها هبة، أو جزء من المبيع، وكلاهما لا حرج فيه. وليس هذا من اشتراط البيع في الهبة أو المعاوضة في التبرع، وهذا الاشتراط فيه خلاف، والراجح جوازه إلا في اشتراط البيع في السلف وما كان حيلة على الربا.
هل يجوز الجمع بين المعاوضة والتبرع في عقد واحد؟
السؤال 650965
قرأت فتوى استدل فيها صاحبها بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في القواعد النورانية على أن حديث: لا يحل سلف وبيع يفيد المنع من الجمع بين عقد المعاوضة وعقد التبرع، ثم خرَّج على ذلك عروضًا تجارية مثل: اشترِ واحدة والثانية مجانًا، وحكم بتحريمها؛ لأن الأولى معاوضة والثانية هبة، والتبرع إنما كان لأجل المعاوضة.
فهل يصح تخريج هذا الحكم على كلام شيخ الإسلام؟ وهل يدخل في ذلك عرض مثل: اشترِ ثلاثة كتب، والكتاب الثالث الأقل سعرًا مجانًا؟ أم أن هذه الصورة تُكيَّف فقهيًا على أنها بيع ثلاث سلع بثمن سلعتين أو خصم على إجمالي الصفقة، فلا تدخل في النهي؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
لا حرج في قول البائع: اشتر قطعة، وخذ الثانية مجانا، ويكيف ذلك على أنه هبة، أو جزء من المبيع.
قال الدكتور خالد المصلح في "الحوافز التسويقية" ص 65: "الهدايا الترويجية تحتمل التخريجات التالية:
التخريج الأول: أن هذه الهدية الترويجية وعد بالهبة، فالثمن المبذول عوض عن السلعة دون الهدية. وذلك أن هذه الهدية لا أثر لها على الثمن مطلقاً، والمقصود منها التشجيع على الشراء.
ما يترتب على هذا التخريج:
أولاً: جواز هذا النوع من الحوافز الترغيبية؛ لأن الأصل في المعاملات الحلّ.
ثانياً: استحباب قبول هذا النوع من الهدايا الترويجية؛ لعموم الأدلة الحاثّة على قبول الهدية.
ثالثاً: أنه ليس للواهب الرجوع في هبته بعد قبض المشتري، ولو انفسخ العقد؛ لعموم النهي عن الرجوع في الهبة.
رابعاً: يلزم البائع إعطاء المشتري الهدية الموعودة، بناء على القول بوجوب الوفاء بالوعد ...
التخريج الثاني: أن هذه الهدية الترويجية جزء من المبيع، فالثمن المبذول عوض عن السلعة والهدية جميعاً، فالمشتري بذل الثمن ليحصل السلعة والهدية، فالعقد وقع عليهما بثمن واحد" انتهى.
وينظر: جواب السؤال رقم (385767).
ثانيا:
إذا كانت القطعة الثانية جزءا من المبيع، فلا حرج، وهو ظاهر.
وإذا كانت هبة، فالجمع بين البيع والهبة لا حرج فيه.
جاء في المعايير الشرعية ص 660، معيار اجتماع العقود:
" يجوز اجتماع أكثر من عقد في منظومة واحدة، بدون اشتراط عقد في عقد، إذا كان كل واحد منها جائزا بمفرده، ما لم يكن هناك دليل شرعي مانع؛ فعندئذ يمتنع بخصوصه استثناءً.
ضوابط جواز الجمع بين العقود:
1 - أن لا يكون ذلك محل نهي في نص شرعي، مثل النهي عن البيع والسلف.
2 - أن لا يكون حيلة ربوية، مثل الاتفاق على بيع العينة أو التحايل على ربا الفضل.
3 - أن لا يكون ذريعة إلى الربا، مثل الجمع بين القرض والمعاوضة، أو إقراض الغير مالا
على أن يسكنه المقترض داره، أو يهدي له هدية، أو على أن يقضيه بزيادة في القدر أو
الصفة" انتهى.
وجاء فيها، ص 670: "مستند جواز اجتماع أكثر من عقد في معاملة واحدة إذا كان كل واحد منها جائزا بمفرده مالم يكن هناك دليل شرعي حاظر: أن الأصل بمقتضى دلائل نصوص الشريعة وكلياتها العامة حرية التعاقد، ووجوب الوفاء بكل ما يتراضى عليه المتعاقدان ويلتزمان به، ما لم يكن في ذلك تحليل حرام أو تحريم حلال. قال ابن القيم: "والأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه. وهذا القول هو الصحيح".
وقد نص جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة على أن الأصل عندهم قياس المجموع
على آحاده؛ فحيث انطوت المعاملة على عدة عقود، كل واحد منها جائز بمفرده، فإنه يحكم على المجموع بالجواز.
وبناء على هذا الأصل نص الحنابلة والشافعية في الأصح على صحة الجمع بين عقدين – حتى ولو كانا مختلفي الوضع والحكم - بعوض واحد، كما ذهب ابن تيمية إلى جواز اجتماع عقدين
بعوضين متميزين" انتهى.
ثالثا:
إذا جمع بين البيع والهبة على سبيل الشرط، كأن يقول: أبيعك كذا بشرط أن تهبني كذا، فهذا الذي يتنزل عليه كلام شيخ الإسلام رحمه الله.
وقد بحث الدكتور عبد الله العمراني "اشتراط عقد معاوضة في عقد تبرع غير عقد القرض، وعكسه" وقال: "نص الحنفية على هذه المسألة، جاء في الهداية: "لو باع عبدا على أن يستخدمه البائع شهرا، أو دارا على أن يسكنها، أو على أن يقرضه المشتري درهما، أو على أن يهدي له هدية... فهو فاسد؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين..." فقالوا بفساد العقد الذي شرط فيه الهدية، فلا يجوز عندهم هذا الشرط...
وبالتأمل في هذه المسألة: فإن الذي يظهر أن اشتراط عقد معاوضة في عقد تبرع غير عقد القرض، أو اشتراط عقد تبرع غير عقد القرض في عقد معاوضة، يخرج بعقد التبرع- كالهدية مثلا- عن مقصوده، فلا يبقى عقد تبرع حينئذ، بل يكون عقد معاوضة، فيجري على المسألة الخلاف في حكم اشتراط عقد معاوضة في عقد معاوضة. جاء في القواعد النورانية الفقهية: "لأن ذلك التبرع إنما كان لأجل المعاوضة، لا تبرعًا مطلقا فيصير جزءً من العوض"" انتهى من العقود المالية المركبة، ص97
فتبين بهذا أن المسألة الممنوعة في كلام شيخ الإسلام هي اشتراط البيع في الهبة، أو العكس، وليس الجمع بين البيع والهبة من طرف البائع وحده.
على أن اشتراط عقد في عقد، محل خلاف، والراجح جوازه إلا في اشتراط البيع في السلف أو ما كان حيلة على الربا.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " فالقول الصحيح: أنه إذا شرط عقدا في البيع، فإن الشرط صحيح، والبيع صحيح؛ إلا في مسألتين ... الأولى: إذا شرط قرضا ينتفع به، فهنا لا يحل لأنه قرض جر نفعا فيكون ربا.
الثانية: أن يكون حيلة على الربا " انتهى مختصرا من "الشرح الممتع" (8/ 239).
رابعا:
الجمع بين البيع والسلف، محرم بالنص والإجماع، والمراد منه: اشتراط البيع في السلف أو العكس؛ لأنه ذريعة إلى الربا.
وينظر: جواب السؤال رقم (299372)
والله أعلم
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟