للأب أن يرجع في هبته لولده ليحقق العدل بين الأولاد في الهبة، أو لغير ذلك، ويلزمه نفقة ولده المحتاج ومنها السكن، فإما أن يعطيه أجرة مسكن، وإما أن يسكنه مجانا في هذه الشقة.
وهب شققًا لبعض أولاده ثم أراد الرجوع في إحداها لبناء مسجد
السؤال 647950
أنا وإخوتى 3 رجال وبنتان، أبى كتب لإخوانى الاثنين الكبار كل منهما شقة ليتزوج فيها، وكتب أنها هبة منه، جاء منذ فترة يطالب أحد اخوانى بشقته، ويقول له: أن يخرج منها، ويذهب إلى إيجار، أو إلى أى شيء، المهم أنه يريد الشقة؛ ليبيعها، ويبنى مسجدا بثمنها، فماذا يفعل أخي، وليس عنده الإمكانية أن يؤجر شقة أو ينتقل من هذه الشقة؟ وهل عدم طاعة الأب فى هذا تعتبر جحودا وعقوقا؛ لأنه يتهم أخي أنه عاق؛ لأنه لا يستطيع الخروج من الشقة؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
الواجب على الأب أن يعدل في الهبة بين أولاده؛ لما روى البخاري (2586) ومسلم (1623) عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا فَقَالَ: (أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ) قَالَ لَا قَالَ: (فَارْجِعْهُ). ومعنى (نحلت ابني غلاما) أي أعطيته غلاما.
ورواه البخاري (2587) عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ لَا قَالَ: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ) قَالَ فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ.
وفي رواية للبخاري أيضا (2650): (لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ).
وينظر جواب السؤال رقم :(22169)
وإذا كان له ذكور وإناث، أعطى الذكر ضعف الأنثى، على ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، وذهب الجمهور إلى التسوية بين الذكر والأنثى في الهبة.
وعلى هذا فإعطاء الأب شقتين لاثنين من أبنائه دون الباقي: لا يجوز، إلا إذا كان برضى بقية أولاده، حال كونهم بالغين راشدين.
وإذا استرد شقة من أحدهم، فلابد من رضى هذا الابن وبقية الأولاد عن تفضيل الأخ الذي بقيت معه شقة.
وإذا احتاج الابن إلى سكن لزواجه، ولم يكن قادرا على استئجار شقة من أبيه أو من غيره، فكان على الأب أن يُسكنه مجانا، دون أن يهبه الشقة، وإسكانه مجانا هو من باب النفقة لا من باب الهبة.
ثانيا:
إذا لم يكن التفضيل برضى بقية الأولاد، فالواجب على الأب أن يعطي البقية، أو يسترد ما أعطى للابنين جميعا، ولا يسترد من أحدهما ويترك الآخر.
قال ابن قدامة رحمه الله في المغني (6/ 51): "فإن خص بعضهم بعطيته، أو فاضل بينهم فيها: أثم، ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين؛ إما رد ما فضل به البعض، وإما إتمام نصيب الآخر" انتهى.
ورجوع الأب في الهبة جائز، سواء رجع ليحقق العدل بين أولاده، أو رجع لغير ذلك؛ لما روى أبو داود (3539) والترمذي (2132) والنسائي (3690) وابن ماجه (2377) عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا؛ إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ. وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا: كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ، فَإِذَا شَبِعَ قَاءَ، ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ) والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود.
ثالثا:
على الأب أن يحل موضوع الهبة قبل التفكير في بناء المسجد؛ ليسلم من الإثم، فيسترد ملكية الشقتين من الابنين، ولا مانع أن يسمح لهما بالسكن مجانا، أو بأجرة حسبما يأتي، إلا إن رضي بقية الأولاد بالتفضيل، فيترك الهبة كما هي، ثم إن أراد أخذ شقة من أحدهما فلابد أن يرضى هذا الابن بتفضيل أخيه عليه، أو يعوضه أخوه بنصف قيمة شقته، مع رضى بقية الأولاد بذلك.
رابعا:
الأب مأمور بالعدل في النفقة أيضا، والعدل فيها يكون بإعطاء كل ولد كفايته، وتلزم نفقة الولد ولو كان كبيرا قادرا على الكسب، إذا كان فقيرا وكان الأب غنيا، كما هو مذهب الإمام أحمد.
قال في الإنصاف (9/ 289): "شمل قوله: "وأولاده وإن سفلوا" الأولاد الكبار الأصحاء الأقوياء إذا كانوا فقراء. وهو صحيح. وهو من مفردات المذهب" انتهى.
وينظر: المغني (9/ 258).
فلو كان أحد الابنين غير قادر على استئجار سكن، لزم الأب أن يسكنه مجانا، أو يعطيه أجرة يسكن بها عند غيره إذا كان الأب قادرا على إعطائه أجرة.
وكذلك لو كان الابنان غير قادرين على الاستئجار، لزم الأب إسكانهما مجانا، أو إعطاؤهما أجرة مسكن إذا كان قادرا على ذلك.
وإذا كان الدافع إلى استرداد الشقة من أحد الولدين: بناء المسجد، كما جاء في السؤال، والحال أن ابنه محتاج إليها، عاجز عن القيام بسكنى نفسه: فليس من الحكمة، ولا من الشرع: أن يخرج ابنه من سكن يسكن فيه، يحتاج إليه، ولا يقدر على غيره، ليبني مسجدا، ولعل حوله من المساجد ما فيه كفاية وغنية للناس، كما هو مشاهد.
وإذا كان يرغب حقا في بناء مسجد، فليتأن فيه، ريثما يدبر ابنه مسكنه، أو يقدر على أجرة مسكن، ثم يبني ما شاء، بعد أن يكون قد عدل في أولاده، ولم يفاضل بينهم، ولم يدعهم لضيعة، أو ضيق حال؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كَفَى بالمرءِ إثماً أن يضيّعَ مَنْ يَقُوتُ ) رواه أبو داود (1692) وغيره، وقال النووي في "رياض الصالحين": "حديث صحيح".
وعلى ذلك؛
فإذا كان الابن غير قادر على الاسئجار، وكان الأب غير قادر على إعطائه أجرة مسكن، لكن له شقة-كما هو الواقع- لزمه أن يسكن فيها ابنه، وليس له أن يبيعها ليبني مسجدا؛ لأن النفقة الواجبة مقدمة على بناء المسجد.
والحاصل أن هذا السؤال اشتمل على مسائل:
1-التفضيل في الهبة، ووجوب العدل فيها.
2-جواز رجوع الأب في هبته لولده لغرض تحقيق العدل، أو لغير ذلك.
3-وجوب نفقة الولد المحتاج على أبيه القادر، ويشمل ذلك السكن.
وقد تبين جواب كل مسألة.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟