ما حكم وضع الخد على الأرض عند الدعاء؟

السؤال 647031

أسأل عن هيئة جلوس مسنونة في الدعاء وفي استغفار الله عز وجل، هل هناك هيئة معينة مسنونة؟ وهل يجوز وضع الخد على الأرض تذللا لله تعالى؟

ملخص الجواب

الأصل في الذكر والدعاء السعةُ في الهيئات، مع استحباب استقبال القبلة ورفع اليدين، والعناية بانكسار القلب، ولا حرج من وضع الخد على الأرض عند الدعاء.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

روى الإمام مسلم في صحيحه (373) عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه".

وقال الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

وأسند الطبريُّ في "تفسيره" (6/ 309) عن قتادة رضي الله عنه قال: "وهذه حالاتك كلَّها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك؛ يسرًا من الله وتخفيفًا"، فبيَّن رحمه الله دلالة الآية على تيسير الله تعالى في هيئة الدعاء والاستغفار وذكر الله تعالى.

فمَن ذكر الله تعالى ودعاه؛ قائمًا أو قاعدًا أو على جنبه، أو في أية حال من حالاته فلا حرج عليه؛ وقد دخل في أولى الألباب.

وإنما الذي ورد في السنة القولية والفعلية: استحباب رفع اليدين في الدعاء، واستحباب استقبال القبلة، فهذا ما يتعلق بهيئة البدن وحركته، وهما مما يوصل العبد إلى ما هو أهم من ذلك، وهو ما يتعلق بهيئة القلب عند التعبد والدعاء.

قال الإمام ابن رجب:

"ومن أنواع العبادات التي يظهر فيها الذل والخشوع لله عز وجل: الدعاء، قال الله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً، وقال: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ.

فمما يظهر فيه الذل من الدعاء: رفع اليدين.

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه في الدعاء في مواطن كثيرة، وأعظمها في الاستسقاء، فإنه كان يرفع فيه يديه حتى يرى بياض إبطيه، وكذلك كان يجتهد في الرفع عشية عرفة بعرفة.

وخرج الطبراني رحمه الله تعالى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بعرفة، ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين".

وقد كان بعض الخائفين يجلس بالليل ساكنًا مُطرقًا برأسه، ويمد يديه كحال السائل.

وهذا من أبلغ صفات الذل وإظهار المسكنة والافتقار.

ومن ذلك أيضًا: افتقار القلب في الدعاء، وانكساره لله عز وجل، واستشعاره شدة الفاقة إليه والحاجة لديه، وعلى قدر هذه الحرقة والفاقة تكون إجابة الدعاء.

وفي المسند والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ).

ومن ذلك: إظهار الذل باللسان في نفس السؤال والدعاء، والإلحاح فيه:

قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: "كان يقال: أفضل الدعاء الإلحاح على الله، والتضرع إليه".

وفي الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يوم عرفة فقال: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَرَى مَكَانِي وَتَسْمَعُ كَلَامِي لا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي، أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ، الْوَجِلُ الْمُشْفِقُ، الْمُقِرُّ الْمُعْتَرِفُ بِذَنَبِهِ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ وَأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ، دُعَاءَ مَنْ خَضَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ، وَذَلَّ جَسَدُهُ، وَرَغِمَ لَكَ أَنْفُهُ، اللَّهُمَّ لاً تَجْعَلْنِي بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، وَكُنْ بِي بَارًّا رَءُوفًا رَحِيمًا، يَا خَيْرَ الْمَسْئُولِينَ، وَيَا خَيْرَ الْمُعْطِينَ).

وكان بعضهم يقول في دعائه: بعزتك وذلي، وبغناك وفقري ..."، إلى آخر ما شرحه رحمه الله في "الذل والانكسار للعزيز الجبار"، ضمن مجموع رسائله (1/ 306).

هذا؛ وقد ذكرنا جملة صالحة من آداب الدعاء، وما يستحب فيه من استقبال القبلة ورفع اليدين والخشوع والتذلل وغير ذلك؛ كما في عدد من الأجوبة، منها: (36902) و(138812) و(13506)، فلتراجع للفائدة.

وأما وضع الخد على الأرض؛ فلا نعلمه منقولا أو يدل عليه دليل خاص، لكن قد شرع الله التعبدَ إليه بالسجود، في الصلاة وفي غير الصلاة، والسجود معروف، وهو وضع الجبهة والأنف على الأرض مع بقية أعضاء السجود المعروفة.

كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أُمِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يَسجدَ على سبعة أعضاء، ولا يكفُّ شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين"، أخرجه البخاري (809) وهذا لفظه، وأخرجه مسلم (490).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ضمن كلامه على أحكام السجود:

"ولو أراد الإنسان الدعاء، فعفَّر وجهَه لله في التراب، وسجد له ليدعوه؛ فهذا سجودٌ لأجل الدعاء؛ ولا شيء يمنعه"، انتهى، كما في "الفتاوي الكبرى" (5/ 340)، كذلك نقله عنه تلميذه ابن مفلح في "الفروع" (2/ 314).

وكان ابن تيمية يقول: "كنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها، وأمرِّغ وجهي في التراب، وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلِّم إبراهيم! فهِّمْني"، ذكره عنه تلميذه ابن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص 42).

ومراده بتعفير الوجه في التراب، وكذلك تمريغ الوجه في التراب: أن يسجد على الأرض، ليس بين وجهه وبين تراب الأرض حاجز، إمعانًا في إظهار المذلة والضعة والضعف أمام الله رب العالمين.

نظير سؤال أبي جهل الناسَ عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال لعنه الله: "هل يعفِّر محمدٌ [صلى الله عليه وسلم] وجهَه بين أظهركم؟ فقيل له: نعم"، كما أخرجه مسلم (2797).

قال الإمام النووي رحمه الله في "شرحه" (17/ 139): "أي: يسجد ويلصق وجهه بالعفر، وهو التراب"، انتهى.

وفي "لسان العرب": "العافِر الوجْهِ فِي الصَّلَاةِ؛ أَي المُترّب". وفيه أيضًا: "وَيُقَالُ: عَفّرْت فُلَانًا فِي التُّرَابِ، إِذا مَرَّغْته فِيهِ، تَعْفِيراً"، انتهى. ينظر (4/ 584) منه.

فالمقصود:

أن السجود يتضمَّن وضعَ الوجهِ على الأرض تذلُّلًا لله، فإذا باشرَ ترابَ الأرض الطاهر بوجهه من غير حاجز؛ كان ذلك إمعانًا في التذلل لله، وكان ذلك ضمن المشروع من الهيئات إن شاء الله.

وأما وضع الخد وحده؛ فلا نعلم فيه سنّةً متَّبعةً.

والتذلُّل لله تعالى، وإظهار الفقر والحاجة والضعف، والذل والانكسار بين يديه؛ من أعظم العبادة المأمور بها، ومن أخصِّ أحوال المتعبّد، وأحبّها لله تعالى، وما كان كذلك كان مبيَّنًا في السنة القولية والعملية، وكان التقيد بالوارد فيه هو تمام الانقياد والمتابعة للنبي، صلى الله عليه وسلم؛ فالحرص على الوارد في هذا المقام هو المشروع.

والله أعلم.

المراجع

الدعاء

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android