هل صح أن من مات في طريق الحج كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة؟

السؤال 646767

الحديث الذي يقول فيه عبدالله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من خرج حاجّاً فمات كتب له أجر الحاج الى يوم القيامة) هل هو صحيح أم حديث ضعيف؟

ملخص الجواب

إسناد هذا الخبر لا يصح، ويكفي في فضل من مات حاجا أنه يبعث على ما مات عليه من هذا العمل الصالح، كما جاء في الحديث الصحيح.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

هذا الحديث رواه:

أبو يعلى الموصلي في "المسند" (8 / 509)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (5 / 282): عن إِبْرَاهِيم بْن زِيَادٍ، سَبَلَان.

وابن شاهين في "الترغيب" (ص128): عن سَالِم بْن جَلْدَةَ.

وابن أبي حاتم في "العلل" (3 / 414): عَنْ يَحْيَى بْنِ دَاوُدَ بْنِ مَيْمون الواسِطي.

والبيهقي في "شعب الإيمان" (6 / 15): عن الحسين بن عبد الأول.

كلهم (إِبْرَاهِيم بْن زِيَادٍ، وسَالِم بْن جَلْدَةَ، ويَحْيَى بْن دَاوُدَ، والحسين بن عبد الأول): عَنْ أَبي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ [عند البيهقي حميد، مصحف عن جميل]، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

(مَنْ خَرَجَ حَاجًّا فَمَاتَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الحاجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَمَاتَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ المعْتَمِرِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ خَرَجَ غازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْغَازِى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).

واللفط لأبي يعلى والطبراني.

وقال الطبراني: "لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ إِلَّا جَمِيلُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، وَلَا عَنْ جَمِيلٍ إِلَّا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، تَفَرَّدَ بِهِ: أَبُو مُعَاوِيَةَ" انتهى.

وهذا إسناد فيه كلام في مواضع:

الموضع الاول:

أنه تفرّد به ابن إسحاق عن جميل ابن أبي ميمونة.

وابن إسحاق وإن كان صدوقا، إلّا أنه موصوف بالتدليس، ولم يصرح بالتحديث.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني، صاحب المغازي، صدوق، مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين وعن شر منهم، وصفه بذلك أحمد والدارقطني وغيرهما" انتهى. "طبقات المدلسين" (ص 51).

والطبقة الرابعة عند الحافظ ابن حجر، هي:

"الرابعة: من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم الا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل" انتهى. "طبقات المدلسين" (ص 14).

وقال الحافظ ابن حجر أيضا:

"ما ينفرد به – أي ابن إسحاق - وإن لم يبلغ درجة الصحيح، فهو في درجة الحسن إذا صرح بالتحديث" انتهى. "فتح الباري" (11 / 163).

الموضع الثاني:

أن جميل ابن أبي ميمونة، لم يرد فيه توثيق معتبر، فهو مجهول الحال.

ذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (2 / 216)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (2 / 519)، ولم يذكرا فيه توثيقا ولا تجريحا.

وقد قال ابن كثير رحمه الله تعالى، عن هذه الرواية، بعد ان ساق طريق أبي يعلى الموصلي:

" وهذا حديث غريب من هذه الوجه" انتهى. "تفسير ابن كثير" (3 / 197 - 198).

الموضع الثالث:

أنه وقع في إسناد هذا الخبر اضطراب من وجهين.

الوجه الأول:

حيث خالف محمد بن العلاء فرواه: عَنْ أَبي مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مَيمون بْنِ أبي جَبَلة، عن عَطاء ابن يَزِيدَ اللَّيْثي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

حيث جعل الراوي عن عطاء هو مَيمون بْن أبي جَبَلة، وليس جَمِيل بْن أَبِي مَيْمُونَةَ.

وقد سُئل أبو زرعة الرازي عن هذا فتوقف فيه. قال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى:

" وسألت أبا زرعة عَن حديثٍ حدَّثناه عَنْ يَحْيَى بْنِ دَاوُدَ بْنِ مَيْمون الواسِطي، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرير، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَيمونة، عن عَطاء ابن يَزِيدَ اللَّيْثي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قال: قال رسولُ الله : (مَنْ خَرَجَ غَازِيًا فَمَاتَ، كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجْرَ الغَازِي إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ).

أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عبد الرحمن بْنُ أَبِي حاتِم؛ قَالَ: حدَّثنا أَبُو زُرْعَةَ أَيْضًا؛ قَالَ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ الهَمْداني؛ قَالَ: حدَّثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مَيمون بْنِ أبي جَبَلة، عن عَطاء ابن يَزِيدَ اللَّيْثي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قال: قال رسولُ الله (ص): مَنْ خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبيلِ اللهِ، ثُمَّ مَاتَ؛ كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجْرَ المُجَاهِدِ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ

قيل لأبي زرعة: أيّهما أصحّ؟

قال: اللَّه أعلم" انتهى. "العلل" (3 / 414).

والوجه الثاني:

أنه رواه عمرو بن علي الفلاس، كما في "مجلسان من أمالي ابن صاعد" (ص21 بترقيم الشاملة آليا)، وابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال" (ص99): عن عَمْرو بْن عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا ‌هِلالُ ‌بْنُ مَيْمُونٍ الْفِلَسْطِينِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. الحديث.

وهذا إسناد نظيف من علل الإسناد قبله؛ من رواية هلال بن ميمون. وهلال بن ميمون: صدوق، كما في "الكاشف" للذهبي (2/ 342): و"تقريب التهذيب" للحافظ ابن حجر (ص 576).

لكن الذي تقتضيه القواعد أن تكون هذه الرواية مرجوحة؛ لأنها مخالفة لرواية الجماعة، فقد سبق أن هذا الخبر عن أَبِي مُعَاوِيَةَ من رواية: (إِبْرَاهِيم بْن زِيَادٍ سَبَلَان، وسَالِم بْن جَلْدَةَ، و الحسين بن عبد الأول، و يَحْيَى بْنِ دَاوُدَ بْنِ مَيْمون الواسِطي)، كلهم: عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ جميل ابْنِ أَبِي مَيمونة.

قال الدارقطني رحمه الله تعالى:

"يرويه أبو معاوية الضّرير، واختلف عنه؛

فرواه عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ مَيْمُونٍ الْفِلِسْطِينِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَهِمَ فِيهِ عَلَى أَبِي مُعَاوِيَةَ.

وغيره يرويه: عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وهو الصّواب" انتهى. "علل الدارقطني" (11 / 110).

ثانيا:

يغني عنه في فضل من مات حاجا، ما رواه البخاري (1265)، ومسلم (1206): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: (خَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَعِيرِهِ، فَوُقِصَ، فَمَاتَ، فَقَالَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا).

قال ابن هبيرة رحمه الله تعالى:

"وفيه من الفقه: أن من كان في عبادة الله عز وجل فمات، فإنه يحشر على ما مات عليه من عبادة الله تلك" انتهى. "الإفصاح عن معاني الصحاح" (3 / 56).

وروى الإمام مسلم (2878): عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ ‌عَلَى ‌مَا ‌مَاتَ ‌عَلَيْهِ).

الخلاصة:

إسناد هذا الخبر لا يصح؛ لوجود مدلس ومجهول واضطراب فيه.

ويكفي في فضل من مات حاجا أنه يبعث على ما مات عليه من هذا العمل الصالح، كما جاء بهذا الحديث الصحيح.

والله أعلم.

المراجع

الحج والعمرة

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android