ما هو ضابط البيع والتأجير بالوصف؟

السؤال 614795

ما هي الضوابط المتعلقة بمدى التفصيل الذي يجب على البائع تقديمه حتى يصح البيع؟ وبشكل خاص، كيف يتم التعامل مع الحالات التي يتعذر فيها تحديد المقدار أو الصفة بدقة، مثل:
اشتراكات الذكاء الاصطناعي: حيث يُوعَد المشترك بـ "حدود استخدام أعلى"، ولكن دون تحديد دقيق لهذه الحدود.
السلع المادية: حيث يُقدَّم وصفٌ عام (مثال: "تفاح أحمر من ألمانيا")، لكن الصفات الذوقية التي تخضع للتقدير الشخصي كالحلاوة أو القرمشة لا تكون مضمونة.
فهل يكفي الوصف العام، أم يجب على البائع تقديم مواصفات دقيقة لتجنب الغرر الفاحش؟

ملخص الجواب

يشترط أن يكون المبيع أو محل الخدمة معلومًا بما يرفع الجهالة، فيُذكر من صفاته ما يؤثر في الثمن أو المنفعة ويمكن ضبطه عادة.  
أما الصفات اليسيرة أو الذوقية التي يتعذر ضبطها فلا يلزم تفصيلها، بينما لا يكفي في الخدمات وصف مبهم كـحدود استخدام أعلى دون معيار يوضح مقدار المنفعة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

يشترط لصحة البيع أن يكون المبيع معلوما عند العقد، إما بالرؤية، وإما بالصفة فيما يمكن ضبطه بالصفة.

قال البهوتي رحمه الله في "الروض المربع"، ص 309 في شروط صحة البيع: "الشرط السادس: أن يكون (المبيع معلوما) عند المتعاقدين؛ لأن جهالة المبيع غرر.

ومعرفةُ المبيع: إما (برؤية) له، أو لبعضه الدال عليه.

[ويشترط أن تكون هذه المعرفة]: مقارِنةً [للعقد]، أو متقدمةً بزمن لا يتغير فيه المبيع ظاهرا.

ويلحق بذلك: ما عُرف بلمسه أو شمه أو ذوقه.

(أو صفةٍ) تكفي في السلَم، فتقوم مقامَ الرؤية، في بيع ما يجوز السلم فيه خاصة" انتهى.

والصفة التي تكفي في السلم: أن تذكر الصفات التي تميز المبيع، والتي لها أثر في الثمن.

ويجب الاستقصاء في بيان الصفة، فيذكر الجنس والنوع، والقدر، والعدد، ولونه إن كان له أكثر من لون، وكل ما له أثر في الثمن.

ثم إن جاء المبيع على الوصف: لزم المشتري، وإن جاء على خلاف الوصف كان له الخيار.

قال ابن قدامة رحمه الله في "الكافي" (2/ 9): " ويصح البيع بالصفة، في صحيح المذهب، إذا ذكر أوصاف السلم؛ لأنه لما عُدمت المشاهدة للمبيع: وجب استقصاء صفاته ، كالسلم .

وإذا وُجِد على الصفة: لزم العقد .

وإن وجده على خلافها: فله الفسخ" انتهى.

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " ودليل الاكتفاء بالوصف: حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم.

فالعلم بالمسلم فيه هنا بالوصف؛ لأنه يسلف السنة والسنتين في الثمار، وهي لم تخلق الآن، إذًا يكون العلم بالوصف، ولكن لا بد من شرطين:

الأول: أن يكون الموصوف مما يمكن انضباطه بالصفة.

الثاني: أن يضبط بالصفة.

فالبيع بالصفة أضيق من البيع بالرؤية أو ما يشبهها [كالشم واللمس والذوق].

أما ما لا يمكن انضباطه بالصفة، كالجواهر واللآلئ وما أشبه ذلك، فإنه لا يجوز أن يباع بالوصف؛ لأنه يختلف اختلافا عظيما، فرب خرزة من اللؤلؤ تساوي ـ مثلا ـ ألف ريال، وأخرى لا تساوي عشرة ريالات فلا يمكن ضبطها، فلا بد أن يمكن انضباطه بالصفة، ولا بد أن يضبط ـ أيضا ـ بالصفة بحيث تحرر الصفة تحريرا بالغا، حتى لا يحصل اختلاف عند التسليم" انتهى من "الشرح الممتع" (8/ 49).

ثانيا:

إن كانت السلعة تفاحا، ذكر نوعه، وبلده، وحجمه، ولونه، وذكر كونه طازجا أو لا، وذكر كل صفة يختلف بها الثمن، ككونه طريا أو يابسا.

قال البهوتي رحمه الله في "كشاف القناع" (3/ 292): "الشرط (الثاني) للسلم: (أن يصفه) أي المسلَم فيه (بما يختلف به الثمن) اختلافا (ظاهرا)؛ لأن السلم عِوَضٌ يثبت في الذمة، فاشتُرط العلم به؛ كالثمن. وطريقه: الرؤية، أو الصفة، والأول ممتنع؛ فتعين الوصف.

(فـ) على هذا: (يَذكرُ جنسه) أي المسلَم فيه، (فيقول مثلا: تمر)، (و) يذكر (نوعه، فيقول) مثلا (برني أو معقلي ونحوه، و) يذكر (قدر حبه، فيقول: صغارًا أو كبارًا، و) يذكر (لونه إن اختلف) اللون، (كالطيرزد)، نوع من التمر يكون منه أسود وأحمر. (و) يذكر (بلده، فيقول) مثلا (كوفي أو بصري، و) يذكر (حداثته وقدمه، فإن أطلق: العتيق)، ولم يقيده بعام أو أكثر؛ (أجزأ أي عتيق كان)، لتناول الاسم له، (ما لم يكن مسوسا ولا حشفا)، وهو رديء التمر، قاله في القاموس، (ولا متغيرا)، فلا يلزم المسلِم قبوله؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة من العيب...

(و) يذكر (جودته ورداءته، فيقول: جيد أو رديء. والرطب كالتمر في هذه الأوصاف إلا الحديث والعتيق) لأنه يتأتى فيه ذلك....

(وهكذا)، أي كالرطب في نحو هذه الأوصاف: (ما يشبهه، من العنب والفواكه) التي يصح السلم فيها، (وكذلك سائر الأجناس) التي يُسلم فيها: (يذكر فيها ما يختلف به الثمن) اختلافا ظاهرا؛ (فالجنس والجودة والرداءة والقدر: شرط في كل مسلمَ فيه) من الحبوب وغيرها" انتهى.

ثالثا:

يعفى عن الصفة اليسيرة التي لا يختلف بها الثمن اختلافا ظاهرا.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "الشرح الممتع" (9/ 65): " قوله: وكل وصف يختلف به الثمن ظاهرا؛ فمثلا إذا كان ذا ألوان فتقول: أبيض، أو أحمر، أو أسود، وكذلك ـ أيضا ـ إذا كان النسج في الثياب مختلفا، يذكر الوصف الذي يختلف به الثمن اختلافا ظاهرا، أما الاختلاف اليسير فإنه يعفى عنه؛ لأنه قل أن ينضبط الموصوف على وجه لا اختلاف فيه إطلاقا، ولهذا قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: كل سلم يختلف؛ لا بد.

لأنه مهما كان الإنسان في دقة الوصف لا يمكن أن يدرك كل الأوصاف، فمثلا نُسلم في سيارة فنحتاج إلى ذكر اللون؛ لأن الثمن يختلف به، ونذكر الموديل (الطراز)؛ لأن الثمن يختلف به، وهل هي غمارة أو غمارتان.

ومما لا يختلف فيه الثمن ـ مثلا ـ المسجل، فالسيارات تختلف فيه كأن يكون في بعض السيارات بالوسط، وفي البعض الآخر إلى جانب السائق، وكذلك يكون الحال في الساعة، بعضها يكون ـ مثلا ـ فوق، وبعضها يكون أسفل، وبعضها يكون مائلا للجانب الأيمن، وبعضها مائلا إلى الجانب الأيسر، فهذه الأوصاف لا نذكرها؛ لأنها ليست ذات أهمية، ولا يرفع الإنسان بها رأسا، وكذلك بقية الأوصاف التي لا يختلف بها الثمن اختلافا ظاهرا فإنه لا يجب ذكرها؛ لأن الإحاطة بها متعسرة" انتهى.

رابعا:

إذا كان الاشتراك في خدمة الذكاء الاصطناعي، وجب بيان حدود هذه الخدمة، فإذا قيل: "حدود استخدام أعلى": فلابد من معرفة هذه الحدود، والفرق بينها وبين حدود الاستخدام المتوسطة والدنيا، وإلا كان ذلك جهالة تمنع العقد.

وهذا من باب الإجارة الموصوفة في الذمة، وهي إجارة صحيحة إذا استُقصيت الصفات، كالسلم.

فقال في "كشاف القناع" (3/ 645) في الإجارة: " (وهي) لغة: المجازاة وشرعا (عقد على منفعة مباحة معلومة، تؤخذ شيئا فشيئا).

وهي ضربان: أشار إلى الأول منهما بقوله: (مدة معلومة، من عين معلومة)، معينة؛ كأجرتك هذا البعير.

(أو) من عين (موصوفة في الذمة)، كأجرتك بعيرا صفته كذا ويستقصي صفته" انتهى.

وفي "المعايير الشرعية"، ص 243: "يجوز أن تقع الإجارة على موصوف في الذمة، وصفاً منضبطاً، ولو لم يكن مملوكاً للمؤجر (الإجارة الموصوفة في الذمة)؛ حيث يتفق على تسليم العين الموصوفة، في موعد سريان العقد، ويراعى في ذلك إمكان تملك المؤجر لها أو صنعها، ولا يشترط فيها تعجيل الأجرة، ما لم تكن بلفظ السلم أو السلف.

وإذا سلم المؤجر غير ما تم وصفه، فللمستأجر رفضه وطلب ما تتحقق فيه المواصفات" انتهى.

وجاء فيها ص 262: " مستند جواز الإجارة لعين موصوفة في الذمة قبل تملكها: أن ذلك لا يؤدي للنزاع، وهي كالسلم، ولا يشترط تعجيل الأجرة فيها، على أحد قولين للشافعية والحنابلة" انتهى.

خامسا:

إذا لم تضبط الصفة، لم يصح البيع عند الجمهور.

وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى صحة بيع ما لم ير ولم يوصف، ويكون الخيار للمشتري إذا رآه.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " قوله: أو وُصف له بما لا يكفي سلما لم يصح: لعدم العلم بالمبيع.

ويأتينا ـ إن شاء الله ـ السلم وما الذي يمكن انضباطه والذي لا يمكن.

فإذا وُصف بما لا يكفي سلما؛ فإنه لا يصح البيع.

وقيل: إنه يصح أن يبيع ما لم يَره، ولم يوصف له، ولمشترٍ الخيارُ إذا رآه، فيقول مثلا: بعت عليك سيارتي، فقال له: ما هذه السيارة؟ قال: إن شاء الله ستراها وتعرفها، قال له: بكم؟ قال: بخمسة آلاف، قال: اشتريت.

فعلى المذهب: لا يصح؛ لأنه لم يرها ولم توصف له.

ومذهب أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ أنه يصح البيع، ويكون للمشتري الخيار إذا رآه.

وهذا هو الصحيح، وهو شبيهٌ ببيع الفضولي؛ لأنه إذا كان له الخيار إذا رآه، فليس عليه نقص.

فإذا قيل: كيف الطريق إلى تصحيح البيع على القول الأول؟

الجواب: أنه إذا رآه، عقد عليه من جديد، وهذا هو الذي تظهر به ثمرة الخلاف بين القولين، فعلى القول بالصحة، يكون نماء هذا المبيع ما بين عقد البيع ورؤيته: للمشتري، وعلى الرأي الأول يكون النماء للبائع؛ لأن البيع لم يصح" انتهى من "الشرح الممتع" (8/ 152).

والحاصل:
أنه يشترط لصحة البيع أو الإجارة أن يكون محل العقد معلومًا علمًا يرفع الجهالة المفضية إلى النزاع، وذلك إما بالرؤية، وإما بوصفٍ منضبط يبيّن الصفات المؤثرة في الثمن أو المنفعة.
ولا يلزم استقصاء كل جزئية أو صفة؛ بل الواجب بيان الصفات التي يختلف بها الثمن اختلافًا ظاهرًا، أما الفروق اليسيرة أو الصفات التي يصعب ضبطها ولا يترتب عليها عادة اختلاف معتبر في القيمة، فيُعفى عنها.
ففي السلع، كالتفاح، يكفي بيان النوع والمنشأ والحجم والجودة ونحو ذلك مما يؤثر في الثمن، ولا يلزم ضمان صفات ذوقية دقيقة كدرجة الحلاوة أو القرمشة إذا لم يمكن ضبطها ضبطًا معتادًا.
أما الخدمات والاشتراكات، كاشتراكات الذكاء الاصطناعي، فلا يكفي وصف مبهم مثل: حدود استخدام أعلى إذا كان مقدار الاستخدام عنصرًا مؤثرًا في المنفعة والثمن، بل يجب بيان الحد أو وضع معيار واضح يمكن للمشترك أن يعرف به مقدار الخدمة التي يشتريها.
والضابط الجامع: 
كل وصف مؤثر في الثمن أو المنفعة ويمكن ضبطه عادة يجب بيانه، وما لا يؤثر إلا تأثيرًا يسيرًا أو يتعذر ضبطه عادة فلا يلزم تفصيله.

والله أعلم.

المراجع

الإجارة
البيوع

المصدر: 

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android