العمل بالاحتياط ليس عملا فاضلا دائما، ولا هو مطلوب دائما. وليس هناك، فيما نعلم، كتاب واحد يذكر الأحوط في كل مسألة من مسائل الفقه.
هل يوجد كتاب فقهي يبين القول الراجح والقول الأحوط في المسائل الخلافية؟
السؤال 614445
في بعض المسائل الفقهية التي فيها خلاف معتبر يكون الأفضل هو الخروج من الخلاف، واتقاء الشبهات من غير إنكار على من يأخذ الرأي الراجح لأحد العلماء المعاصرين الثقات، وقد وضع العلماء عدة شروط للأخذ بذلك الرأي الأحوط الذي قد يتعذر على العامي استنباطه؛ نتيجة عدم فهم تلك الشروط، أو عدم الإحاطة بتفاصيل المسألة الشرعية والقواعد والأصول الفقهية الواجب مراعاتها.
فهل يوجد كتاب من كتب الفقه يعرض الدليل الشرعي في كل مسألة مع الرأي الأحوط الذي فيه خروج من الخلاف وليس فقط الرأي الراجح؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً: قال الجرجاني رحمه الله في التعريفات (ص: 12):
"الاحتياط: في اللغة هو الحفظ، وفي الاصطلاح: حفظ النفس عن الوقوع في المآثم" انتهى.
وقال ابن تيمية رحمه الله : "فأما الورع المشروع المستحب، الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم فهو: اتقاء ما يُخاف أن يكون سببا للذم والعذاب، عند عدم المعارض الراجح" انتهى من "مجموع الفتاوى" (20/ 137).
ثانيا: الاحتياط لا ينبغي أن يعتمد مسلكًا في جميع مسائل الخلاف ، بحيث يفوّت على الإنسان أجرا عظيما ، أو يدخل عليه مشقة ظاهرة ، بل يعمل به في المسائل التي قوي فيها الخلاف ، وعسر الترجيح ، أو كان يترتب على الاحتياط زيادة الأجر والفضل ، أو السلامة من الإثم والكراهة ، دون أن يفوته شيء من الخير .
وقد نص فقهاء المذاهب على أن مراعاة خلاف المذاهب الأخرى ، له ضوابط وشروط .
انظر: إجابة رقم (146422).
ومن ضوابط العمل بالاحتياط:
- ألا يصل العمل بالاحتياط حد المبالغة والتنطع والوسواس .
قال ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (20/ 139-142):
"يقع الغلط في الورع من ثلاث جهات:
أحدها: اعتقاد كثير من الناس أنه من باب الترك فلا يرون الورع إلا في ترك الحرام لا في أداء الواجب وهذا يبتلى به كثير من المتدينة المتورعة ترى أحدهم يتورع عن الكلمة الكاذبة وعن الدرهم فيه شبهة؛ لكونه من مال ظالم أو معاملة فاسدة ويتورع عن الركون إلى الظلمة من أجل البدع في الدين وذوي الفجور في الدنيا ومع هذا يترك أمورا واجبة عليه إما عينا وإما كفاية وقد تعينت عليه من صلة رحم؛ وحق جار ومسكين؛ وصاحب ويتيم وابن سبيل؛ وحق مسلم وذي سلطان؛ وذي علم ...
الجهة الثانية: من الاعتقاد الفاسد، أنه إذا فعل الواجب والمشتبه، وترك المحرم والمشتبه فينبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلة الكتاب والسنة وبالعلم لا بالهوى، وإلا فكثير من الناس تنفر نفسه عن أشياء لعادة ونحوها، فيكون ذلك مما يقوي تحريمها واشتباهها عنده، ويكون بعضهم في أوهام وظنون كاذبة، فتكون تلك الظنون مبناها على الورع الفاسد، فيكون صاحبه ممن قال الله تعالى فيه: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس وهذه حال أهل الوسوسة في النجاسات؛ فإنهم من أهل الورع الفاسد المركب من نوع دين وضعف عقل وعلم وكذلك ورع قوم يعدون غالب أموال الناس محرمة أو مشتبهة أو كلها... وقد أنكر حال هؤلاء الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره، وذم المتنطعين في الورع. وقد روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلك المتنطعون قالها ثلاثا ...
الثالثة: جهة المعارض الراجح. هذا أصعب من الذي قبله؛ فإن الشيء قد يكون جهة فساده يقتضي تركه فيلحظه المتورع؛ ولا لحظ ما يعارضه من الصلاح الراجح؛ وبالعكس فهذا هذا. وقد تبين أن من جعل الورع الترك فقط؛ وأدخل في هذا الورع أفعال قوم ذوي مقاصد صالحة بلا بصيرة من دينهم وأعرض عما فوتوه بورعهم من الحسنات الراجحة فإن الذي فاته من دين الإسلام أعظم مما أدركه فإنه قد يعيب أقواما هم إلى النجاة والسعادة أقرب.}" انتهى
ويُنظر: "الفتح المبين" للهيثمي (ص:244)، "أحكام الاشتباه الشرعية" ليوسف بدوي-ماجستير (ص: 63).
- لا احتياط فيما يخالف النص:
قال ابن تيمية رحمه الله: "فإن الاحتياط إنما يشرع إذا لم تتبين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإذا تبينت السنة، فاتباعها أولى" انتهى من "مجموع الفتاوى" (26/54).
عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: "صَنَع النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيئًا، فرَخَّصَ فيه، فتَنَزَّهَ عنه قَومٌ، فبَلَغَ ذلك النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فخَطَبَ فحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قال: ما بالُ أقوامٍ يَتَنَزَّهونَ عنِ الشَّيءِ أصنَعُه؟! فواللهِ إنِّي لأعلَمُهم باللهِ، وأشَدُّهم له خَشيةً" رواه البخاري (6101) واللفظ له، ومسلم (2356).
- أن لا يترتب على العمل بالاحتياط حصول ضرر .
في المحصول للرازي (3/244): "الاحتياط إنما يصار إليه إذا خلا عن الضرر قطعًا" انتهى.
- ألا يترتب على الاحتياط تضييع واجب، أو الوقوع في مفسدة أعظم من المتروك.
قال ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (20/ 138):
"قد لا يُترك الحرام البين، أو المشتبه؛ إلا عند ترك ما هو حسنةٌ، موقعها في الشريعة أعظم من ترك تلك السيئة. مثل من يترك الائتمام بالإمام الفاسق، فيترك الجمعة والجماعة والحج والغزو. وكذلك قد لا يؤدي الواجب البيّن، أو المشتبه، إلا بفعل سيئة أعظم إثمًا من تركه؛ مثل من لا يمكنه أداء الواجبات، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذوي السلطان، إلا بقتال فيه من الفساد أعظم من فساد ظلمه.
والأصل في الورع المشتبه قول النبي صلى الله عليه وسلم " {الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن ترك الشبهات استبرأ عرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام.." انتهى.
يُنظر: "ضوابط العمل بمبدأ الاحتياط" لإسرار خان (74- 78)، "معلمة زايد" (9/ 185- 186)، موسوعة القواعد الفقهية-الدرر السنية (قاعِدةُ: الشَّريعةُ مَبنيَّةٌ على الاحتياطِ)، العمل بالاحتياط في الفقه الإسلامي- رسالة ماجستير، رسالة تكميل ماجستير: قاعدة الاحتياط الفقهية وأثرها في الطهارة الشرعية.
ثانياً: لا نعلم كتابًا فقهيًا يعرض الأدلة الشرعية مع الرأي الأحوط في كل مسألة، لأن الأحوط غالباً يُصار إليه عند الخلاف القوي في نظر الفقيه.
على أنه تبين مما ذكرنا من كلام أهل العلم: أن ذكر الأحوط دائماً يجنح بالمفتي إلى الوقوع في ترك السنة تارة، وإلى الغلو والوسوسة تارة، وهناك مسائل جانب الاحتياط فيها يكون متعذراً.
مثاله: وقت العصر: لا يدخل عند الحنفية إلا إذا صار ظل كل شيء مثليه، وهذا هو آخر وقت العصر الاختياري عند الجمهور، فالاحتياط هنا متعذر .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " ونظيرها في العبادات اختلاف العلماء متى يدخل وقت العصر؟ فقال بعض العلماء : لا يدخل وقت العصر إلا إذا صار ظل كل شيء مثليه ، وقال الجمهور : يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله ، ويحرم أن تؤخر الصلاة حتى يصير ظل كل شيء مثليه ، فكيف تحتاط ؟ إن صليت قبل أن يصير ظل كل شيء مثليه ، قال لك أولئك : حرام عليك ، وصلاتك ما تصح ، وإن صليت عقب ما يصير ظل كل شيء مثليه ، قال لك الآخرون : تأخيرك الصلاة إلى هذا الوقت حرام ، فأنت في مشكلة ، فما ترجح ؟
فمثل هذه المسائل: جانب الاحتياط فيها يكون متعذرا ، فلا يبقى أمام طالب العلم إلا أن يسلك طريقا واحدا، ويجتهد بقدر ما يستطيع في معرفة الصواب من القولين ، ويستخير الله ويمشي عليه " انتهى من "الشرح الممتع" (13/ 50).
تنبيه:
العامي الذي لا يستطيع معرفة الراجح من أقوال العلماء، ولا التمييز بين ما يشرع فيه الاحتياط وما لا يشرع، ليس مطالبًا بالبحث عن الأحوط في كل مسألة؛ وإنما الواجب عليه سؤال من يثق بعلمه ودينه، والعمل بفتواه؛ لقوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ النحل/43.
وإذا اختلف عليه قول عالِمَين موثوقين، فإنه يتحرى الأعلم والأوثق، ولا يلزمه الأخذ بالأشد من القولين لمجرد أنه أشد؛ فقد يكون الراجح هو الأيسر، ويكون اتباعه أقرب إلى السنة.
وينظر جواب السؤال رقم (146422)، ورقم (22652).
والله أعلم
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟