الحكم المعلل بعلة، لا مانع من نسخه، فتكون العلة قاصرة على زمان إحكامه، أو مخصصة بذلك الزمان.
فالنسخ يدخل الأوامر والنواهي اتفاقا، ويدخل الأمر المعلل، كما في نسخ القيام للجنازة.
هل يجوز نسخ الأمر أو النهي المعلول بعلة؟
الحكم المعلل بعلة، لا مانع من نسخه، فتكون العلة قاصرة على زمان إحكامه، أو مخصصة بذلك الزمان.
فالنسخ يدخل الأوامر والنواهي اتفاقا، ويدخل الأمر المعلل، كما في نسخ القيام للجنازة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
النسخ يقع في الأوامر والنواهي اتفاقا.
قال المرداوي في التحبير (6/ 3005): "لا شك في جواز نسخ الإنشاء، إذا كان بلفظ الإنشاء، وقد تقدم له صور، وهذا إجماع في الجملة" انتهى.
وهذا يشمل ما لو كان الأمر أو النهي معللا بعلة، أو غير معلل.
ومن أمثلة ذلك: نسخ القيام للجنازة مع كونه معللا.
روى مسلم (960) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: مَرَّتْ جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقُمْنَا مَعَهُ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ، فَقَالَ: (إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا).
وروى أحمد (19491) عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِذَا مَرَّتْ بِكُمْ جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ فَقُومُوا لَهَا، فَلَسْتُمْ لَهَا تَقُومُونَ، إِنَّمَا تَقُومُونَ لِمَنْ مَعَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ) وصححه شعيب في تحقيق المسند.
فهذا أمر معلل بأن الموت فزع، وبأن القيام إنما هو للملائكة، وقد نسخ هذا الأمر.
قال الحازمي رحمه الله في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، ص120: "وقال أكثر أهل العلم: ليس على أحد القيام للجنازة، وروينا ذلك عن علي بن أبي طالب، والحسن بن علي، وعلقمة، والأسود، والنخعي، ونافع بن جبير، وفعله سعيد بن المسيب، وبه قال عروة بن الزبير، ومالك، وأهل الحجاز، والشافعي وأصحابه، وذهبوا إلى أن الأمر بالقيام منسوخ، وتمسكوا في ذلك بأحاديث" انتهى.
وذكر من الأحاديث، ما روى مسلم (962) عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، أَنَّهُ قَالَ: رَآنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ وَنَحْنُ فِي جَنَازَةٍ قَائِمًا، وَقَدْ جَلَسَ يَنْتَظِرُ أَنْ تُوضَعَ الْجَنَازَةُ، فَقَالَ لِي: مَا يُقِيمُكَ؟ فَقُلْتُ: أَنْتَظِرُ أَنْ تُوضَعَ الْجَنَازَةُ، لِمَا يُحَدِّثُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ نَافِعٌ: فَإِنَّ مَسْعُودَ بْنَ الْحَكَمِ، حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَعَدَ.
وما روى أحمد (623) عن علِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قال: " كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجِنَازَةِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ" وصححه شعيب.
قال الشوكاني رحمه الله: "وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: إن القيام منسوخ بحديث علي. قال الشافعي: إما أن يكون القيام منسوخا أو يكون لعلة، وأيهما كان، فقد ثبت أنه تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره، والقعود أحب إلي" انتهى من نيل الأوطار (4/ 94).
ونسخ الحكم المعلل بعلة، هو في معنى: تخصيص العلة بزمان العمل بالحكم، قبل نسخه.
قال أبو المعالي الجويني: «ومما تعلق به من يجوز تخصيص العلة أن قال: إذا لم يبعد تخصيص العلة بزمان، لم يبعد اختصاصها بمسائل.
وأراد بذلك: أن الشدة المطربة علة في تحريم الخمر ولم تكن علة قبل نزول تحريمها.
وهذا كلام ساقط؛ فإن المعاني الظنية، في الأقيسة العملية: لا تقتضي الأحكامَ لأعيانها، ولكن تتبع في موارد الشرع بها أو بأمثالها، وكان الشرع متبعا فيها، ويجوز تقدير النسخ عليها. والذي نحن فيه من [فن] الاستنباط المظنون بعد قرار الشريعة، والانتقاض يوهي ظن المستنبط على تحقيق؛ فأين يقع هذا من جواز تبديل الأحكام؟». انتهى، من البرهان في أصول الفقه (2/ 105).
وقال تلميذه أبو حامد الغزالي:
«فإن قيل: فحيث أوردتم مسألة المصراة مثالا، فهل تقولون إن العلة موجودة في مسألة المصراة، وهي تماثل الأجزاء، لكن اندفع الحكم بمانع النص، كما تقولون في مسألة المغرور بحرية الولد؟ قلنا: لا؛ لأن التماثل ليس علة لذاته، بل بجعل الشرع إياه علامة على الحكم. فحيث لم يثبت الحكم، لم يجعله علامة، فلم يكن علة.
كما أنا لا نقول الشدة الموجودة قبل تحريم الخمر كانت علة، لكن لم يرتب الشرع عليه الحكم؛ بل ما صارت علة، إلا حيث جعلها الشرع علة، وما جعلها علة، إلا بعد نسخ إباحة الشرب.
فكذلك التماثل: ليس علة في مسألة المصراة، بخلاف مسألة المغرور، فإن الحكم فيه ثابت تقديرا.
وكأنه ثبت ثم اندفع؛ فهو في حكم المنقطع، لا في حكم الممتنع». انتهى، من المستصفى (ص335).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله:
" العلة لا تخص إلا لعلة، كما أن الدليل لا يخص إلا بدليل.
فإن كانت مستنبطة، فلابد من بيان العلة المخصصة.
وإن كانت العلة منصوصة، كفى بيان دليل مخصص، فهذا لمن تأمل حقيقة الأمر". انتهى، من "المستدرك على مجموع الفتاوى" (2/215).
إيضاح:
مراد أبي المعالي الجويني بآخر كلامه: "والذي نحن فيه ...": أن "نسخ العلة" أو "تخصيصها": إنما يكون في "زمان التشريع"، لا بعد قرار الشريعة، وانقضاء زمان الوحي، وارتفاع نسخ الأحكام.
قال نجم الدين الطوفي:
"تنبيه: ذكر الآمدي نسخ حكم القياس، أي: كونه منسوخا. وقال: منع منه الحنابلة مطلقا، والقاضي عبد الجبار في قول، وأجازه أبو الحسين البصري في القياس الموجود في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، دون ما وجد بعده. ثم اختار الآمدي نحو ما ذكر في المختصر.
وحكايته منع الحنابلة من نسخ حكم القياس مطلقا، يرده ما ذكرناه من مذهبنا ; فلعله رأى قولا لبعض أصحابنا شاذا، أو أنه لم يحقق النقل". انتهى، من شرح مختصر الروضة (2/ 334).
والحاصل:
أن الحكم المعلل بعلة، لا مانع من نسخه، فتكون العلة قاصرة على زمان إحكامه، أو مخصصة بذلك الزمان.
والله أعلم
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟