هل يوصف القلب بأنه عرش الرحمن؟

السؤال 543921

كتب ابن القيم في كتابه الفوائد "حَتَّى تعود الْقُلُوب على قلبين قلب هُوَ عرش الرَّحْمَن فَفِيهِ النُّور والحياة والفرح وَالسُّرُور والبهجة وذخائر الْخَيْر، وقلب هُوَ عرش الشَّيْطَان، فهناك الضّيق والظلمة وَالْمَوْت والحزن وَالْغَم والهم فَهُوَ حَزِين على مَا مضى مهموم بِمَا يسْتَقْبل مغموم فِي الْحَال"
فهل يجوز وصف القلب بأنه عرش الرحمن؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

عرش الرحمن على الحقيقة: هو السرير، الذي هو فوق السموات العلى، وهو سقف المخلوقات، كما روى البخاري (7423) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نُنَبِّئُ النَّاسَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ).

وأما قلب المؤمن، فقد ورد في حديث أن (قلب المؤمن عرش الله) لكنه حديث موضوع، كما قال الصغاني رحمه الله. وينظر: كشف الخفاء (2/113).

ثانيا:

أراد ابن القيم بهذا: أن قلب المؤمن محل استقرار النور والمعرفة والمحبة، فكأن هذه المعاني التي سماها المثل الأعلى استوت على القلب.

قال رحمه الله: " فَائِدَة: أنزه الموجودات وأظهرها وأنورها، وَأَشْرَفهَا وأعلاها، ذاتا وَقدرا، وأوسعها: عرش الرَّحْمَن جلّ جَلَاله، وَلذَلِك صلح لاستوائه عَلَيْهِ.

وكلُّ مَا كَانَ أقرب إِلَى الْعَرْش، كَانَ أنور وأنزه وأشرف مِمَّا بعُد عَنهُ. وَلِهَذَا كَانَت جنّة الفردوس أَعلَى الْجنان وَأَشْرَفهَا وأنورها وأجلّها لقربها من الْعَرْش؛ إِذْ هُوَ سقفها.

وكل مَا بعد عَنهُ، كَانَ أظلم وأضيق، وَلِهَذَا كَانَ أَسْفَل سافلين شرّ الْأَمْكِنَة وأضيقها وأبعدها من كل خير.

وَخلق الله الْقُلُوب، وَجعلهَا محلا لمعرفته ومحبّته وإرادته، فَهِيَ عرش الْمثل الْأَعْلَى، الَّذِي هُوَ مَعْرفَته ومحبّته وإرادته، قَالَ تَعَالَى: لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم، وَقَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَات وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم)، وَقَالَ تَعَالَى: لَيْسَ كمثله شَيْء.

فَهَذَا من الْمثل الْأَعْلَى، وَهُوَ مستو على قلب الْمُؤمن، فَهُوَ عَرْشه، وَإِن لم يكن أطهر الْأَشْيَاء وأنزهها وأطيبها وأبعدها من كل دنس وخبث، لم يصلح لِاسْتِوَاء الْمثل الْأَعْلَى عَلَيْهِ، معرفَة ومحبة وَإِرَادَة، فَاسْتَوَى عَلَيْهِ مثل الدُّنْيَا الْأَسْفَل، ومحبتها وإرادتها والتعلّق بهَا، فَضَاقَ وأظلم، وَبعُد من كَمَاله وفلاحه.

حَتَّى تعود الْقُلُوب على قلبين:

قلب هُوَ عرش الرَّحْمَن، فَفِيهِ النُّور والحياة والفرح وَالسُّرُور والبهجة وذخائر الْخَيْر.

وقلب هُوَ عرش الشَّيْطَان، فهناك الضّيق والظلمة وَالْمَوْت والحزن وَالْغَم والهم، فَهُوَ حَزِين على مَا مضى، مهموم بِمَا يسْتَقْبل، مغموم فِي الْحَال" انتهى من الفوائد، ص27

فمراد ابن القيم بأن القلب عرش الرحمن، أنه عرش المثل الأعلى، أي أن النور والمعرفة والمحبة قد استوت على هذا القلب، واستواء هذه المعاني واستقرارها في القلب، معنى صحيح.

أو أن المراد: أن هذا القلب خالص لله جل جلاله، لا سلطان عليه لأحد من المخلوقين، لا قصدا، ولا إرادة، ولا رغبة، ولا تعلقا؛ لتمام خلوصه لرب العالمين وسلطانه.

قال، رحمه الله في المدارج (3/ 476): " فالذي قام بهم، ليس هو الذي قام بالرب تعالى ولا وصفه، بل العلم به ومحبته وتوحيده. ويسمى ذلك: الشاهد والمثل الأعلى، فهي الشواهد والأمثلة العلية، التي قال الله تعالى فيها وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم [الروم: 27]. وقال تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى [النحل: 60] وكثيرا ما يقول الرجل لغيره: أنت في قلبي وفي فؤادي، والمراد: هذا، لا ذاته ونفسه.".

وقد روى نقل عن قتادة أنه: شهادة أن لا إله إلا الله. وعنه: الإخلاص والتوحيد.

وهذه أفعال العبد.

قال الطبري (17/ 229): " ولله المثل الأعلى، وهو الأفضل والأطيب، والأحسن، والأجمل، وذلك: التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره".

وبكل حال؛ فعبارة ابن القيم: أن القلب عرش الرحمن؛ لا يخفى أنه من باب التوسع في القول، ومجاز التعبير، مع ظهور المعنى المراد، وأنه لا علاقة لذلك من قريب أو بعيد بأقوال أهل الحلول والاتحاد؛ وشرحه لكلامه، وتمام بيانه: قاطع في ذلك، مانع للبس فيه، إن شاء الله.

والله أعلم

المراجع

العقيدة

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android