أولا:
كلام شيخ الإسلام يتعلق بالمسألة السريجية، وصورتها أن يقول لامرأته: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا، وقد تقدم الكلام عليها مفصلا في جواب السؤال رقم: (108714).
وشيخ الإسلام يرى أن من طلق امرأته مستعملا هذه الحيلة، معتقدا أن طلاقه لا يقع: فإنه لا يقع، ويتوب من ذلك.
قال رحمه الله: "وإذا كان قد حلف بالطلاق معتقدا أنه لا يحنث، ثم تبين له فيما بعد أنه لا يجوز: فليمسك امرأته، ولا طلاق عليه فيما مضى. ويتوب في المستقبل" انتهى من "مجموع الفتاوى" (33/243).
ثانيا:
الكلام يشمل ما إذا كان الطلاق المنجز بصيغة الحلف، أو بغيره. فلو قال لها: أنت طالق، أو قال: زوجتي طالق، وكان قد سبق أن قال: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا= جرى فيها الخلاف. فلا فرق بين صيغة وأخرى، حتى لو كان بلفظ الخلع، فإنه لا يقع عند من اعتبر الخلع طلاقا. ولهذا قالوا: إن هذا سد لباب الطلاق، فلو أراد أن يطلق زوجته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لا بصيغة حلف، ولا بصيغة تعليق آخر، ولا بصيغة خلع.
قال ابن القيم رحمه الله: "ومن هذا الباب الحيلة السُّرَيْجية التي حدثت في الإسلام بعد المئة الثالثة، وهي تمنع الرجل من القدرة على الطلاق ألبتَّة، بل تسد عليه باب الطلاق بكل وجه، فلا يبقى له سبيل إلى التخلص منها، ولا يمكنه مخالعتها عند مَنْ يجعل الخلع طلاقًا" انتهى من "إعلام الموقعين" (5/ 201).
وقال ابن حجر الهيتمي في "الفتاوى الفقهية الكبرى" (4/183): "وقال الزركشي في الخادم، عن بعض المتأخرين: إن القول بانسداد باب الطلاق قول باطل؛ فإن الطلاق أمر مشروع في كل نكاح، وما من نكاح إلا ويمكن فيه الطلاق. قال: وسبب الغلط أنهم اعتقدوا صحة هذا الكلام، فقالوا: إذا وقع المنجز، وقع المعلق. وهذا ليس بصحيح؛ فإنه يستلزم وقوع طلقة مسبوقة بثلاث. ووقوع طلقة مسبوقة بثلاث: ممتنع في الشريعة؛ فإن الكلام المشتمل على ذلك باطل، وإذا كان باطلا، لم يلزم من وقوع المنجز وقوع المعلق؛ لأنه إنما يلزم ذلك إذا كان التعليق صحيحا.
قال: وما أدري هل استحدث ابن سريج هذا للاحتيال على وقوع الطلاق، أو قاله من طرق القياس اعتقد صحته، واحتال بها من بعده. والظاهر الثاني. اهـ.
وقال في الخادم أيضا: وبالغ السريجي من الحنفية فقال: القول بانسداد باب الطلاق، يشبه مذهب النصارى أنه لا يمكن الزوج إيقاع طلاق على زوجته مدة عمره" انتهى.
وعليه، فلو قال الرجل لزوجته: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم قال: أنت طالق، أو زوجتي طالق: ففيه الخلاف.
والراجح: أن الطلاق المنجز يقع؛ إلا إن كان قاله معتقدا أنه لا يقع، بناء على قول ابن سريج ومن تبعه، فلا يقع حينئذ وعليه أن يتوب ولا يعود لمثله.
والله أعلم.