نصائح في التعامل مع القريب الذي كان سببًا في حصول المشاكل والمتاعب

السؤال 465438

اختي سببت لي و لعائلتي مشاكل و معاناة تقريبا يومية ظلمتنا كثيرًا وصلت لمرحلة كرهت منزلنا وانتظر اول فرصة حتى اخرج منه اصبحت اكرها و أكره الكلام معها حتى نظر لوجهها صرت اكرهه و افكر في قطع صلتي بها بس اعرف انه حرام وهذا السبب الوحيد الذي يوقفني أريد النصح كيف اتصرف معها ؟

ملخص الجواب

لا تتعجلي في الحكم على أختك أو في اتخاذ قرار بقطع العلاقة بها، واجعلي ميزان العدل حاضرًا في نظرتك للأمور، فربما كانت أختك قد أخطأت، وربما كان لك نصيب من الخطأ في فهم بعض المواقف أو طريقة التعامل معها. راجعي نفسك بصدق، وفرقي بين الظلم الحقيقي واختلاف الطباع، ولا تجعلي الغضب والكراهية يسيطران على قلبك أو يوجهان قراراتك.

احرصي على معاملة أختك بالعدل والإحسان، مع وضع حدود تحفظك من الأذى دون الوقوع في القطيعة، واجعلي غايتك رضا الله تعالى لا الانتصار للنفس. وأكثري من الدعاء بأن يصلح الله بينكما، مع الاستعانة بالصبر وحسن الظن ومحاسبة النفس، فإن ذلك أقرب إلى راحة القلب، وأعظم أجرًا عند الله تعالى.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ابنتنا الكريمة، نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويصلح شأنك، ويؤلف بين قلوبكم، وأن يرزقكم السكينة والمودة، وأن يجعل بيوت المسلمين عامرة بالمحبة والرحمة.

من خلال رسالتك يظهر أنك تعيشين حالة من الغضب والاستنزاف النفسي، حتى وصلتِ إلى النفور من أختك والرغبة في الابتعاد عنها وقطع العلاقة بها؛ ولا شك أن استمرار المشكلات داخل الأسرة من أشد ما يرهق النفس؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يبتعد عن أسرته كما يبتعد عن غيرها.

لكن قبل أن نحكم على الموقف، أو نتخذ قرارًا قد نندم عليه، فمن الإنصاف الذي أمرنا الله به أن نراجع أنفسنا كما نراجع أخطاء الآخرين؛ إذ لا يستطيع أحد أن يحكم حكمًا دقيقًا من خلال سماع رواية طرف واحد، فقد تكون أختك قد أخطأت وظلمت، وقد يكون لك نصيب من الخطأ في تفسير بعض المواقف أو طريقة التعامل معها، وقد يجتمع الأمران معًا.

ولهذا فإن أول ما ننصحك به هو أن تجعلي ميزان العدل حاضرًا في قلبك، امتثالًا لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وقوله سبحانه: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.

ثانياً:

لا تجعلي مشاعرك وحدها معيارًا للحكم: فمن الطبيعي أن يشعر الإنسان بالغضب أو النفور إذا تعرض للأذى، لكن المشاعر ليست دائمًا دليلًا على صحة جميع استنتاجاتنا.

اسألي نفسك بهدوء:

- هل يمكن أنني أسأت فهم بعض المواقف؟

- هل فسرت بعض التصرفات على أنها مقصودة، بينما قد يكون لها تفسير آخر؟

- هل أصبحت أتذكر المواقف السلبية أكثر من الإيجابية؟

هذه الأسئلة لا تنفي وجود الظلم إن كان واقعًا، لكنها تساعد على الوصول إلى رؤية أكثر اتزانًا وعدلًا.

ثالثاً:

فرقي بين الظلم الحقيقي واختلاف الطباع: فليس كل ما يضايق الإنسان ظلمًا، فقد تختلف الشخصيات في طريقة الكلام، أو التعبير عن المشاعر، أو أسلوب النقد، أو درجة الحساسية.

وفي المقابل، لا ينبغي أن نسمي الظلم مجرد "اختلاف في الشخصيات" إذا كان هناك تعدٍّ حقيقي على الحقوق أو إساءة متكررة، والحكمة هي أن يميز الإنسان بين الأمرين.

رابعاً:

حاسبي نفسك قبل أن تحاسبي غيرك: قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا).

فاسألي نفسك بصدق:

- هل كنت أستفزها أحيانًا؟

- هل رددت الخطأ بخطأ أكبر؟

- هل حملت كلامها دائمًا على أسوأ المحامل؟

- هل كانت لدي توقعات كبيرة منها، فلما خابت تحولت إلى غضب وكراهية؟

فالاعتراف بخطأ النفس ليس ضعفًا، بل هو من علامات قوة الإيمان ونضج الشخصية.

خامساً:

لا تسمحي للكراهية أن تستقر في قلبك: فقد يبدأ الأمر بموقف مؤلم، ثم يتحول مع مرور الزمن إلى انشغال دائم بالمسيء، حتى يصبح محور التفكير اليومي، وهذا يرهق النفس أكثر مما يعاقب الطرف الآخر.

قال الله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ والعفو هنا لا يعني إنكار الظلم أو الرضا به، وإنما يعني ألا يبقى القلب أسيرًا له.

سادساً:

عامليها بالعدل لا بردة الفعل: إذا أخطأت أختك فلا يجوز أن يدفعك ذلك إلى ظلمها أو غيبتها أو الانتقاص من حقوقها؛ ومن آكد حقوقها: صلة رحمها!

وإذا أحسنت في موقف من المواقف، فاعترفي بذلك، فإن المؤمن يعدل حتى مع من يكره.

وقد قال النبي ﷺ: (ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). ومن قوة النفس أن يضبط الإنسان تصرفاته، فلا تكون ردود أفعاله تابعة لغضبه.

سابعاً:

صححي بعض الأفكار التي تزيد معاناتك: قد يقول الإنسان لنفسه:

- لا يجوز أن يحدث لي هذا.

- لا أستطيع أن أرتاح ما دامت موجودة.

- يجب أن أعاقبها أو أقطعها.

وهذه الأفكار من شأنها أن تزيد الألم.

أما التفكير المتزن فهو أن تقولي لنفسك: هذا الظلم لا أحبه ولا أرضاه، لكنه من ابتلاءات الدنيا، وسأتعامل معه بما يرضي الله.

وقولي أيضًا: لها حق الرحم، ولي حق أن أضع حدودًا تمنع استمرار الأذى، دون أن أقع في القطيعة أو الظلم. قال تعالى: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ.

ثامناً:

ضعي حدودًا دون قطيعة: ليس المطلوب أن تكون العلاقة مثالية، ولا أن تتحملي كل أذى، كما أنه ليس الحل في الهجر الكامل، بل اجعلي العلاقة في حدودها الشرعية: سلام وكلام طيب، وتعاون عند الحاجة، وتقليل الاحتكاك الذي يسبب النزاع، وترك الجدال العقيم، وهذا أقرب إلى الحكمة، ويحفظ حق الرحم، ويحمي النفس من مزيد من الاستنزاف.

تاسعاً:

انظري إليها بعين الرحمة لا بعين التبرير: قد يكون وراء التصرفات الخاطئة جهل، أو ضعف، أو ظروف نفسية، أو تجارب قاسية، وفهم الأسباب لا يعني تبرير الخطأ، لكنه يساعد على تخفيف حدة الغضب، ويجعل القلب أقرب إلى العفو والإصلاح.

وقد كان السلف يقولون: "التمس لأخيك سبعين عذرًا، فإن لم تجد له عذرًا فقل: لعل له عذرًا لا أعلمه".

عاشراً:

اجعلي غايتك رضا الله لا الانتصار للنفس: فاسألي نفسك دائمًا: ما الذي يرضي الله مني في هذا الموقف؟ هل يريد مني أن أزيد الخصومة، أم أن أتحلى بالصبر والعدل والإحسان؟ قال تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وقال النبي ﷺ: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) [رواه البخاري (59995)]، فصلة الرحم لا تعني قبول الظلم أو السكوت عنه، وإنما تعني ألا يحملنا ظلم الآخرين على ترك ما أمر الله به.

وفي الختام، نوصيك بأن تستبدلي سؤال: "كم أخطأت أختي؟" بسؤال: "ما الذي أستطيع أن أفعله ليكون موقفي أمام الله أصح، ونفسي أهدأ، وعلاقتي أقل توترًا؟"

فهذا السؤال هو الذي تملكين جوابه، أما تغيير أختك فليس بيدك، وإنما هو بيد الله سبحانه، فالجئي إليه بالدعاء، واسأليه أن يصلح قلبك وقلبها، وأن يؤلف بينكما، وأن يرزقكما حسن الخلق، وأن يجعل ما أصابك سببًا لرفعة درجتك وتكفير سيئاتك.

ونسأل الله أن يصلح ذات بينكم، وأن يرزقكم السكينة والمودة، وأن يجمع قلوبكم على طاعته.

والله تعالى أعلم.

المراجع

صلة الرحم

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android