قراءة ابن مسعود لقوله تعالى : (وما خلق الذكر والأنثى).

السؤال 446076

عندي سؤال بخصوص موضوع آية ابن مسعود المذكورة في صحيح البخاري: "3- 433 – باب: (وما خلق الذكر والأنثى).
4660 – حدثنا عمر: حدثنا أبي: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: "قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء، فطلبهم فوجدهم، فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله؟ قال: كلنا، قال: فأيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة، قال: كيف سمعته يقرأ: (والليل إذا يغشى)، قال علقمة: (والذكر والأنثى)، قال: أشهد أني سمعت النبي ﷺ يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأ: (وما خلق الذكر والأنثى)، والله لا أتابعهم".
حيث تسبب إشكالات في موضوع القرآن، ولماذا لم يتم الأخذ بها الآية المذكورة، على الرغم من أن ابن مسعود أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر بأخذ القرآن منه (خذوا القرآن من أربعة)، وهو أحد الأربعة المذكورين في الحديث.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا :

القراءات القرآنية متعددة ، ولها شروط ذكرها العلماء ، وهذه الشروط لا بد منها لاعتبار القرآنية ، وهي :

1- صحة السند، مع الاشتهار.

ومعناه : أن يروى " تلك القراءة : العدل الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي ، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له ، غير معدودة عندهم من الغلط ، أو مما شذ بها بعضهم"، "النشر" (1/13).

وبعض العلماء جنح إلى اشتراط (التواتر) ، واكتفى بعضهم بصحة السند ، مع استفاضة النقل والتلقي بالقبول .

انظر: " النشر في القراءات العشر " : (1/13)، " المرشد الوجيز" : (145)، (171).

2- موافقة خط المصحف، ولو احتمالًا.

وتكفي الموافقة للرسم (ولو احتمالًا) ، أي : ولو تقديرًا ، إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقًا ، وهي الموافقة الصريحة ، وقد تكون تقديرًا ، وهي الموافقة احتمالًا ، فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعًا ، قال " ابن الجزري " : " وقد توافق بعض القراءات الرسم تحقيقًا ، ويوافقه بعضها تقديرًا ، نحو (ملك يوم الدين) فإنه كتب بغير ألف في جميع المصاحف ، فقراءة الحذف تحتمله تخفيفًا كما كتب (ملك الناس) ، وقراءة الألف محتملة تقديرًا كما كتب (مالك الملك) ، فتكون الألف حذفت اختصارًا .

... وقد توافق اختلافات القراءات الرسم تحقيقًا ..

على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك : لا يعدُّ مخالفًا ، إذا ثبتت القراءة به ، ووردت مشهورة مستفيضة . ألا ترى أنهم لم يعدُّوا  .. قراءة (وأكون من الصالحين) ، والظاء من (بضنين) ونحو ذلك من مخالفة الرسم المردود ، فإن الخلاف في ذلك يغتفر ، إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد ، وتُمَشِّيه صحةُ القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول .

وذلك بخلاف زيادة كلمة ، ونقصانها ، وتقديمها وتأخيرها ، حتى ولو كانت حرفًا واحدًا من حروف المعاني ، فإن حكمه في حكم الكلمة : لا يسوغ مخالفة الرسم فيه ، وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته" .

راجع: " النشر " : (11 - 13).

3- موافقة العربيَّة، ولو بوجه.

أي: ولو بوجه " من وجوه النحو، سواء كان أفصح ، أم فصيحًا، مجمعًا عليه أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله، إذا كانت القراءة مما شاع ، وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح، إذ هو – إي: صحة الإسناد - الأصل الأعظم ، والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية " . " النشر " (1/ 10).

ثانيًا :

روى " البخاري " في صحيحه " (6278) عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ( ذَهَبَ عَلْقَمَةُ إِلَى الشَّأْمِ ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي جَلِيسًا ، فَقَعَدَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَقَالَ : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، قَالَ : أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي كَانَ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ - يَعْنِي : حُذَيْفَةَ - ؟ أَلَيْسَ فِيكُمْ ، أَوْ كَانَ فِيكُمُ ، الَّذِي أَجَارَهُ اللهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّيْطَانِ - يَعْنِي : عَمَّارًا - ؟ أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّوَاكِ وَالْوِسَادِ - يَعْنِي: ابْنَ ‌مَسْعُودٍ -؟

كَيْفَ كَانَ عَبْدُ اللهِ يَقْرَأُ ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) ؟

قَالَ: ( ‌وَالذَّكَرِ ‌وَالْأُنْثَى ) .

فَقَالَ : مَا زَالَ هَؤُلَاءِ ، حَتَّى كَادُوا يُشَكِّكُونِي ، وَقَدْ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ).

وفي رواية " مسلم " (824) عَنْ ‌عَلْقَمَةَ قَالَ: ( لَقِيتُ ‌أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ لِي : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ . قَالَ : مِنْ أَيِّهِمْ ؟ قُلْتُ : مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ . قَالَ: هَلْ تَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ ‌مَسْعُودٍ ؟ قَالَ : قُلْتُ: نَعَمْ . قَالَ : فَاقْرَأْ ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) قَالَ : فَقَرَأْتُ : ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * ‌وَالذَّكَرِ ‌وَالْأُنْثَى ) .

قَالَ : فَضَحِكَ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا ).

والجواب عن هذه الآثار ، ما يلي :

أولًا : هذه الآثار لا يثبت بمثلها القرآن؛ لأنها لا تتوافر فيها شروط القرآنية، وقد نقل " ابن العربي " عن " القاضي " – يعني: الباقلاني -: " هذا مما لا يلتفت إليه بشر، إنما المعول عليه ما في الصحف؛ فلا تجوز مخالفته لأحد، ثم بعد ذلك يقع النظر فيما يوافق خطه مما لم يثبت ضبطه ، حسبما بيناه في موضعه ؛ فإن القرآن لا يثبت بنقل الواحد ، وإن كان عدلًا ؛ وإنما يثبت بالتواتر الذي يقع به العلم ، وينقطع معه العذر وتقوم به الحجة على الخلق " ، انتهى. " أحكام القرآن " لابن العربي (4/ 404 - 405).

ثانيًا : هذه القراءة لم يقرأ بها أحد من القراء الآخذين عن ابن مسعود وأبي الدرداء ، مما يشير إلى كونهم فطنوا إلى أنها قد نسخت .

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح"  (8/707) : "هذه القراءة لم تُنقَلْ إلّا عمّن ذُكر هنا ، ومَن عداهم قرأوا ( وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ) ، وعليها استقرَّ الأمر مع قوَّة إسناد ذلك إلى أبي الدرداء ومن ذُكر معه .

ولعلّ هذا ممّا نُسخت تلاوته ، ولم يبلغ النّسخُ أبا الدرداء ومَنْ ذُكر معه .

والعجبُ من نَقْل الحفّاظ من الكوفيِّينَ هذه القراءة عن علقمة وعن ابن مسعود ، وإليهما تنتهي القراءةُ بالكوفة ، ثمّ لم يقرأ بها أحدٌ منهم ، وكذا أهلُ الشام حملوا القراءةَ عن أبي الدرداء ، ولم يقرأ أحدٌ منهم بهذا، فهذا ممّا يقوِّي أنّ التلاوة بها نُسخت " انتهى.

ثالثًا : وما سبق يوضح لنا أن هذا "الحرف" مما ترك في " العرضة الأخيرة " ، ولعل من قرأ بها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلم بها.

وفي ذلك يقول د. مساعد الطيار:

" قد وقع تركٌ لبعض الأوجه في العرضة الأخيرة ، فكان ما بقي منها لم يتجاوز الخمسة ، وهذا استدلال بالثابت من القراءات ، الموافقة للعرضة الأخيرة ؛ لأن الأمة أمرت بأن تقرأ كما عُلِّمت ، وما بلغنا صحيحًا مقبولًا (المتواتر) ، هو ما عُلِّمت ، وأريد لها أن تقرأ به ، وما عداه - مما بأيدينا - فهو إما مما تُرك (نُسخ) ، وإما مما لم يصحَّ رفع القراءة به إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم .

وإذا كان قد ثبت أنَّ هناك قراءات صحيحة لا يُقرأ بها اليوم ، كالقراءات الأربع المتممة للعشر، وككثيرٍ من أفراد القراءات التي ثبتت بأسانيد مفردة، كقراءة (‌والذكر ‌والأنثى) التي ثبتت عن ‌ابن ‌مسعود وأبي الدرداء رضي الله عنهما ، وغيرها ؛ فإنَّ هذا مما يدلُّ على أنَّ هذه القراءات قد تُرِكت ، وهي من الأحرف المنْزلة .

ويمكن أن نقسم القراءات إلى أقسام ثلاثة:

القسم الأول : القراءات المشهورة التي تلقتها الأمة بالقبول ، وحكم عليها العلماء بالتواتر .

القسم الثاني : القراءات الصحيحة التي لم تصل إلى حدِّ الشهرة والقبول ، وقد تُرِكت القراءة بها .

القسم الثالث : ما سوى ذلك مما يُنسب إلى بعض القراء أو غيرهم بلا سند ، وتلك لا ترقى إلى حكم القسم الثاني فضلاً عن الأول ؛ لذا قد يدخلها الخطأ ، فهي لا تُحسب من القراءات عند التمحيص والتمييز والتحقيق " انتهى من " المحرر في علوم القرآن" (95 - 96).

والله أعلم.

المراجع

القرآن وعلومه

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android